القاضي عبد الجبار الهمذاني

11

تثبيت دلائل النبوة

والوحدة على ما قد علمه الناس ، ثم دعاهم إلى ما يكرهون ، وأخذهم بكل شدة ، وفرض عليهم الأمور الغليظة الصعبة على ما تقدم من شرح ذلك ، فعلمت وتيقنت / أنه نور اللّه ومن قبل اللّه . فإن قيل : أوليس قد اباحهم الغنائم ، فما تنكرون أن تكون اجابتهم له لهذه العلة ؟ قيل له : هذا لا يسأل عنه من يعقل ولا من يفكر لأن القوم قد اعتقدوا صدقه ونبوته فكانت إجابتهم له لهذا وعلى هذا القربى إلى اللّه عن رضى بذلك ، فمن ادعى غير هذا فقد أنكر المعلوم ، أو يكون لم يسمع الاخبار . فهم إنما أجابوه على أن ينفقوا أموالهم ويسفكوا دماءهم ويقتلوا آباءهم وأبناءهم في طاعته ولأجله ، فكيف يسوغ لعاقل فكّر وتدبّر ان يقول إنما أجابوه طلبا للدنيا ورغبة في الراحة والدعة والأمر بالضد من ذلك . وبعد فإن لم يكن تبعوه « 1 » إلا للغارة وللغنائم لكانوا يقولون له : حاجتنا إليك في الغارة والغنائم ونحن أعلم بها منك ، وهي صناعتنا نحن وعادتنا ، وما الذي يدعونا إلى اتباعك وما معك وما تبعك إلا أن تبعثنا على الغارة والغنائم ؟ أمن أجل سعة أموالك وكثرة كنوزك ومروج خيولك واصطبلات دولك ؟ أم لخزائن سلاحك . ومن أخذنا بأن نكفر آباءنا ونشهد بضلالهم ونسخف أجلاءهم ، ونسوء اختيارهم ، ونعادي الأمم وجبابرة الملوك ، ونسفك دماءنا في طاعتك ، ونقتل كل من عاداك وخالفك وإن كانوا آباءنا وأبناءنا أو إخواننا ، ونفارق اوطاننا وأزواجنا ، ونهجر اللذات من شرب الخمور ولبس الحرير وشفاء الغيظ بقتل / من سبّنا أو عاب آباءنا كعاداتنا في ذلك ، ثم لا نحصل إلا على شيء إذا غنمناه بقوتنا وغلبنا عليه بأسيافنا بعد المخاطرة بدمائنا

--> ( 1 ) في الأصل ، تبعه